تطرح هذه التقنيات تحديات اقتصادية على القطاع الصحي أيضاً .في تموز 1978 تمت ولادة الطفلة لويزا براوك في المملكة المتحدة بعد تلقيح البويضة في المختبر وزرعها لاحقاً في الرحم . قوبل هذا الحدث بالحبور والإعجاب كإنجاز علمي واعد . وخلال سنوات قليلة تسارعت الأبحاث وتعددت التقنيات المساعدة للحمل ، وبرزت الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية لهذه التطورات . لذا فمنذ مطلع الثمانينات عمدت الحكومات والهيئات المهنية إلى تشكيل لجان ورفع توصيات إلى الهيئات التشريعية لوضع تشريعات مناسبة تأخذ في الاعتبار النواحي الأخلاقية والاجتماعية والصحية لهذه الأمور الجديدة . وكالعادة في مثل هذه المجالات فإن التطورات العلمية تسبق القانون ، ولكن سن تشريعات ولو جاءت متأخرة فهي أفضل من الإغفال والتعامي ، لما في ذلك من حماية للأسرة والمجتمع.
وتقنيات الحمل المساعدة هي وسائل لمساعدة الأزواج المصابين بالعقم – بعض الأزواج قد يجدون الحل عبر التبني ، والبعض الآخر يقبلون بالأمر الواقع ويرفضون اللجوء إلى وسائل ” اصطناعية ” بقصد الإنجاب ، والبعض يجد في تقنيات الحمل المساعدة ، رغم أكلافها وتعقيداتها ، سبيلاً لتحقيق إنجاب طال انتظاره. وقرار الأزواج يتأثر إلى حد بعيد بالترويج الذي قد يمليه الطبيب أو الطريقة المعالجة حول تفاصيل التدخل المقترح ، أكلافه ونسبة النجاح . كذلك يتداخل في قرار الأزواج الأبعاد الدينية والقبول المجتمعي للإنجاب الاصطناعي وأخيراً القوانين والتشريعات الوطنية التي قد تحدد الضوابط والممنوعات في هذا الميدان.
تحديات هذه التقنيات
وتطرح هذه الطرق الجديدة في علاج العقم طائفة من التحديات على المجتمع عموماً ، وعليه التكيف معها لأنها أمر واقع وإيجاد الضوابط والتشريعات التي تتلائم مع نسيجه الحضاري والقيم المجتمعة السائدة . ولعل أبرز هذه التحديات هي :
1- الفصل بين عملية التلقيح والإنجاب عموماً وبين العلاقات الجنسية . فمنذ القدم كان الإنجاب ثمرة العلاقة بين رجل وامرأة ، بعدها تقدمت هذه العلاقة في ربط الزوجية . ومع ظهور الديانات السماوية تم التأكيد على الإنجاب في كنف رباط زوجي ووضعت في هذا السبيل الأحكام الشرعية التي تحدد واجبات الزوجين وحقوق الأطفال الذين تم إنجابهم خلال هذا العقد الزواجي . وتبعاً لذلك فإن القيم المجتمعة التي سادت في كافة المجتمعات ، حتى في الدول التي تم فيها فصل الدين عن الدولة ، فالقوانين المدنية التي ترعى هذه الجوانب تعتمد على أن الإنجاب هو حصيلة لعلاقة بين رجل وامرأة في كنف الزوجية أو حتى خارج هذا الرباط الزوجي . والفصل بين العمل الجنسي والإنجاب الذي توفره هذه التقنيات الجديدة يطرح إمكانية الإنجاب لعوانس لم يتسنى لهن الزواج ، كما يحدث في بعض المجتمعات الغربية حيث تطالب بعض الإناث بحقهن في الأمومة دون زواج أو عمل جنسي . كذلك تطالب فئات أخرى من مثلي الجنس ( Les bians homosexuals ) الذين يعيشون سوية بالإنجاب.
وتجهيز هذه الفئات بالظلم الذي تكرسه الشرائع والأعراف المجتمعة حول حرمانهم من الإنجاب خصوصاً وأن التقدم العلمي جعل هذا الأمر ممكناً.
2- تطرح هذه التقنيات كذلك تحديات على الأطباء والمساعدين المخبريين بالنسبة للمسؤوليات الجديدة في اختبار عدد الأجنة الملائم لزرعه في الرحم والانعكاسات الناجمة عن حمل متعدد التوائم.
من المعلوم أن تعدد التوائم يؤدي إلى ولادة مبكرة ، بحيث يموت المواليد لعدم نضجهم لفترة كافية داخل الرحم . لذا يعمد الأطباء في هذه الحالات إلى تقليص عدد التوائم عبر وسائل يحقن في قلب الجنين تؤدي إلى وفاته ، والهدف هو توفير فرصة أطول وبالتالي الولادة بوزن افضل وبفترة حمل أطول ، مما يزيد من فرص عيشهم . والمسؤولية المهنية في هذا المجال هي مثار جدل في المحافل العلمية والأخلاقية .
3- تطرح هذه التقنيات كذلك تحديات اقتصادية على القطاع الصحي وعلى راسمي السياسات في هذا القطاع المفاضلة بين تأمين اعتمادات وموارد مالية باهظة لتغطية أكلاف هذه التقنيات وبين استعمالها لحاجات صحية أكثر إلحاحاً.
4- تطرح هذه التقنيات الجديدة على العلماء إمكانية الأبحاث على الأجنة في بداية التكوين . المعضلة الأخلاقية هي في كيفية التعامل مع الجنين البشري ، هل يمكن إنتاج أجنة لهدف البحث العلمي ؟ هل يمكن إتلاف الجنين وهل يعتبر الأمر إجهاضاً وبالتالي خاضعاً للقوانين التي ترعى الإجهاض ؟
وتشير الأبحاث على خلايا الجنين – أبحاث الخلايا الجذعية Stem Cell Reseorel – جدلية كبرى كما حدث في بعض الحكومات بتشريعات للحؤول دون استخدام أموال رسمية لتمويل إنتاج أجنة بشرية تستخدم فقط لاستخراج الخلايا الجذعية التي تتكون خلال الأسبوع الأول من الحياة . والباحثون في الخلايا الجذعية يعتقدون بأن المنافع الكبرى التي قد تنجم عن أبحاثهم تتمحور حول توفر علاجات لأمراض مثل السكري أو داء الزهايمر التي يستعصي علاجها حالياً . أنا من مناهضو هذه الأبحاث فإن معارضتهم تعتمد على أن إنتاج أجنة بشرية يجب أن يهدف إلى زرع هذه الأجنة في الأرحام على اعتبار أنها تزرع كائن بشري تأمنت مقومات تكوينه ، ولذا فاستعمال خلايا هذه الأجنة لأي سبب آخر هو أمر مناف للكرامة البشرية والأخلاق.
والخلايا الجذعية STEM Cell عند الجنين لها القدرة على أن تتطور وتنمو بحيث تشكل الأنسجة المختلفة في الجسم ، أي أنها تتطور إلى أنسجة كبد أو أنسجة دماغ . وعندما ننزع هذه الخلايا من الجنين فإن الجنين يتعطل ويصبح غير صالح لزرعه في الرحم . هذه الخلايا يمكن زرعها وانقسامها في المختبر ، وبسبب قدرة هذه الخلايا للتطور والنمو فإنها قد تشكل قطع غيار لاستعمالها كبديل عن أنسجة أو أعضاء معطلة في الجسم ، كما يمكن برمجة هذه الخلايا عبر استنساخ أجنة بعد حقن النواة من الشخص المصاب وبذلك تغدو الخلايا الجذعية وكأنها غير غريبة عن الشخص المصاب ، وبذلك نتحاشى رفضها من قبل الجهاز المناعي.
مواقف هذه القوانين والأديان المعارضة
على المستوى الدولي هناك تفاوت كبير بين دول العالم بالنسبة لتشريعاتها حول أبحاث الجنين والخلايا الجذعية . ففي أيرلندا يمنع البحث بالمطلق ، على اعتبار أن الجنين له حق بالحياة مثل أي إنسان بالغ ، وفي ألمانيا والنمسا يعتبر القانون أن تلقيح البويضة يجب أن يكون هدفه الإنجاب فقط وأي استعمال آخر للجنين أو خلاياه يعتبر جنحة ، كما أن بعض الدول العربية مثل تونس تعتبر بأن الجنين ” مشروع وإنسان ، ولذا يمنع القوانين إجراء أبحاث تعرض الجنين للهلاك ” ، وهناك دول تسمح فقط باستعمال الأجنة الزائدة التي لا يرغب أصحابها باستعمالها بقصد الإنجاب ، إلا أنها تشترط عدم تجاوز الجنين عمر 14 يوماً ، كما تشترط موافقة الزوجين كما هي الحال في كندا وفنلندا . أما في المملكة المتحدة فقد صوت مجلس العموم واللوردات على تشريح يسمح بتلقيح بويضات واستعمال هذه الأجنة في أبحاث محددة ، تشمل الأمراض الوراثية وحتى استنساخ أجنة لأهداف علاجية.
أما مواقف الأديان حول أبحاث الخلايا الجذعية فهي متفاوتة . فالكنيسة الكاثوليكية تحرم استعمال الأجنة بقصد البحث العلمي أو العلاجي ، على اعتبار أن الإنسان يتكون منذ عملية التلقيح ، ولذا يتوجب احترام هذا الكائن وتوفير الفرص الأمثل لنموه وتطوره . بخلاف ذلك ، ترى الكنائس البروتستانتية أن إضفاء السمة الإنسانية على الجنين هي صفة متطورة يكتسبها الجنين خلال مرحلة نموه ، ولذا فقد لا تتوافر هذه الإنسانية للبويضة الملقحة في بداية تكوينها.
أما في الدين اليهودي فإن الفقه التلمودي يعتبر أن الجنين يكسب الصفة الإنسانية بعد فترة من نموه في الرحم ، ولذا فالجنين خارج الرحم لا صفة كيانية أو قانونية له إذا تم استعماله من قبل أزواج عبر غرسه في الرحم ، ولذل فإن الأبحاث على الجنين لأسباب علمية أو علاجية فهي مباحة.
وفي الإسلام يشير بعض الفقهاء إلى إمكانية استعمال خلايا الجنين لأهداف علاجية أو بحثية ، شرط أن تتم هذه التدخلات قبل نفخ الروح في الجنين أي قبل 40 يوماً من تاريخ التلقيح.





























































