موقع طرطوس

كيف ترى الطيور من دون أكسجين؟

تعمل شبكية عين الطيور بشكل دائم تقريبا من دون أكسجين، رغم أنها من أكثر أنسجة الجسم استهلاكا للطاقة، بعكس المعلوم سابقا في علم الأحياء أن الخلايا العصبية البشرية لا تتحمل الحرمان من الأكسجين، حسب نتائج دراسة جديدة نشرت يوم 21 يناير/كانون الثاني في مجلة (Nature).

أظهرت النتائج أن خلايا الشبكية تعتمد على إنتاج الطاقة اللاهوائي، بينما لا يزودها تركيب قديم غامض يدعى “المشط العيني” بالأكسجين كما كان يعتقد، بل ينقل السكر إلى الشبكية ويتخلص من نواتج الأيض.

حسب الدراسة، يغير هذا الاكتشاف فهما استمر قرونا، وقد يفتح آفاقا جديدة لفهم تلف الأنسجة البشرية في حالات نقص الأكسجين مثل السكتات الدماغية.

شبكية بلا أوعية دموية

يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة كريستيان دامسغارد، أستاذ علم الأحياء في جامعة آرهوس الدنماركية، أن في معظم الحيوانات، تغذى الأنسجة العصبية بشبكة كثيفة من الأوعية الدموية الدقيقة التي تنقل الأكسجين مباشرة إلى الخلايا. وشبكية العين -بوصفها امتدادا مباشرا للدماغ- ليست استثناء، بل تعد من أكثر الأنسجة استهلاكا للطاقة في الجسم كله؛ لكن الطيور مختلفة.

ويضيف في تصريحات للجزيرة نت: “تخلو شبكية أعين الطيور تماما من الأوعية الدموية، وهي خاصية يعتقد أنها تمنحها ميزة بصرية مهمة، إذ لا تعيق الأوعية مرور الضوء قبل وصوله إلى الخلايا الحساسة للرؤية. غير أن هذه الميزة تطرح سؤالا محوريا: كيف تبقى الشبكية حية وتعمل بكفاءة من دون أكسجين؟ ووفقا لكل ما نعرفه عن الفسيولوجيا، لا ينبغي لهذا النسيج أن يعمل أصلا”

لأكثر من 300 عام، افترض العلماء أن بنية غريبة (غنية بالأوعية الدموية) داخل عين الطائر تعرف باسم “المشط العيني” هي التي تحل المشكلة وتزود الشبكية بالأكسجين.

لكن هذا الافتراض لم يختبر مباشرة، بسبب الصعوبة التقنية البالغة في قياس مستويات الأكسجين داخل عين طائر حي من دون التأثير في حالته الطبيعية، حسب كريستيان، الذي يقول إنه وبعد سنوات من العمل، نجح الفريق أخيرا في إجراء هذه القياسات الدقيقة.

ويضيف: “وجاءت النتيجة مفاجئة: المشط العيني لا يزود الشبكية بالأكسجين على الإطلاق، بل إن نحو نصف الشبكية يعمل في حالة حرمان مزمن من الأكسجين”.

من أين تأتي الطاقة؟

استخدم الباحثون تقنية متقدمة تعرف بـ”النسخ المكاني”، تتيح رسم خريطة دقيقة لنشاط الجينات داخل النسيج؛ وكشفت النتائج أن الطبقات الداخلية من الشبكية تعتمد بشكل شبه كامل على إنتاج الطاقة اللاهوائي، أي تكسير السكر من دون استخدام الأكسجين.

يقول الفريق إن هذه الطريقة أقل كفاءة بكثير، إذ تنتج طاقة أقل بنحو 15 مرة مقارنة بالمسار المعتمد على الأكسجين؛ وهنا برز السؤال الأكثر إرباكا: كيف يمكن لنسيج شديد الاستهلاك للطاقة أن يعتمد على نظام غير كفء كهذا؟

أعاد هذا التناقض العلماء إلى المشط العيني مرة أخرى، لكن بدور مختلف تماما، إذ أظهرت التحليلات أن هذه البنية تعمل كمحطة إمداد غذائي لا كمصدر للأكسجين؛ فهي تضخ كميات كبيرة من السكر إلى الشبكية، وفي المقابل تساعد على التخلص من الفضلات الناتجة عن إنتاج الطاقة اللاهوائي، أي أن المشط العيني يزود الشبكية بالوقود، لا بالهواء، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة.

يقول كريستيان إن هذا الاكتشاف “يغير فهما استمر قرونا”، ويضيف أن العلم لا يبني معرفة جديدة فقط، بل يضطر أحيانا إلى تفكيك تصورات قديمة بالكامل.

ويشير الباحث إلى أن ما يحدث في شبكية الطيور يشبه -بشكل معاكس- ما يفشل فيه النسيج العصبي البشري في أثناء السكتات الدماغية؛ فالمشكلة لا تكمن في نقص الأكسجين وحده، بل أيضا في تراكم الفضلات الأيضية، وهي فضلات عملية تحويل الطعام لطاقة، مثل ثاني أكسيد الكربون، واليوريا (من البروتينات)، وحمض اليوريك، والأملاح، والماء الزائد.

يعتقد الباحث أن فهم كيفية تعامل الطيور مع هذا الوضع يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للتفكير في علاج الأمراض العصبية، ليس فقط عبر زيادة الأكسجين، بل من خلال إعادة تنظيم طرق إنتاج الطاقة والتخلص من الفضلات.

Exit mobile version